لغة الإقناع في الخطاب القانوني
Thread poster: Mustapha ACHIK

Mustapha ACHIK
Morocco
Local time: 17:52
Member (2009)
Spanish to Arabic
+ ...
Sep 26, 2011

بقلم مارثيلا غريكو لانييلا
ترجمة: مصطفى عاشق


مقدمة:
سنقوم في هذا العمل بتحليل أهمية استعمال الأساليب التعبيرية في النصوص القانونية. كما سنهتم كذلك ببحث مدى إمكانية مساعدة هذا التحليل المترجمين على إغناء فهمهم للنص الأصلي، وبالتحديد النصوص القانونية التي تطرح صعوبات خاصة.
عادة ما تنعت اللغة القانونية باللغة الرفيعة المحافظة الجامدة. وغالبا ما يتم لفت انتباه طلبة الترجمة إلى أهمية التأكد من دقة المعجم القانوني المستعمل أثناء الترجمة. وليس ثمة شك في أن ذلك يشكل نصيحة ثمينة لهم. لكن، خلال تكوينهم الأكاديمي، نادرا ما يتمكنوا من التأقلم مع النصوص القانونية الغنية بالتعبير الفريد الذي يجعل منها نصوصا جذابة، ليس فقط بالنسبة للغويين، بل أيضا بالنسبة لأولئك الذين يشتغلون قريبا من اللغة، من بينهم المترجمين. وتطرح هذه الميزة الخاصة للنصوص القانونية تحديات مهنية، يجب على المترجمين الاستعداد لمواجهتها بنجاح.
والكتاب الذي استوحينا منه هذا العمل هو الكتاب الذي صدر سنة 1949 تحت عنوان "القانون واللغة"، لمؤلفه فريديريك فيلبريك. لقد كان مؤلف هذا الكتاب المشهور من اللسانيين الأوائل الذين استعملوا مفهوم "اللغة الإنجليزية القانونية" الذي يطلق على اللغة الخاصة التي يستعملها رجال القانون الجنائي كلهم، أي القاضي ومحامو الادعاء العام وهيئة الدفاع والمتهمون والشهود. وقد شكل هذا الكتاب، إلى جانب كتاب "لغة القانون" الذي صدر سنة 1963 لمؤلفه ديفيد مينكوف، نقطة الانطلاق التي تفرعت عنها كل الأعمال حول اللسانيات المطبقة على القانون.
وسنعمل على تقديم عدة أمثلة حول الاستعارات التي تستعمل- أكثر مما يعتقد- في الخطاب القانوني، مع التشديد على الهدف الأساس الذي يحرك القضاة والمحامين ألا وهو إقناع الحضور. وهذا الإقناع يوجه إلى العواطف، وليس إلى العقل. لذلك، لن يستعمل أي محام ماهر الرطانة القانونية- تلك اللغة الخاصة غير القابلة للاقتحام التي تغلب على النصوص القانونية- من أجل إقناع هيئة المحكمة ببراءة المتهم أو إدانته. وفي هذا الإطار، نظن أنه من الأهمية بمكان بالنسبة للمترجم التحليل اللساني للنصوص القانونية التي تبرز فيها هذه الشكليات الرصينة والموضوعية والغموض اللغوي من أجل إنتاج خطاب تعبيري واضح يسمح للقارئ بربطه بالأدب والانفعالية.
لكن، ماذا يقصد بلغة الإقناع؟ وكيف تتجلى هذه اللغة في حياتنا اليومية؟ وكيف يتم ربطها بالمجال القانوني؟ ولماذا؟ وأية أهمية تكتسيها هذه اللغة عند ترجمة النصوص القانونية؟ تِلْكُم إذن الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها.


لغة الإقناع
تعكس النصوص القانونية، عموما، نوعا من العلاقة السلطوية: وهي تلك العلاقة الموجودة بين السلطة العليا المختصة (المجلس الأعلى للقضاء، مجلس النواب، القاضي) وأشخاص القانون (المواطن العادي، الأشخاص القانونيين، إلخ.). وتتوارى هذه الوضعية العمودية، بصفة عامة، خلف ستار الموضوعية المثير للجدل، حيث لا مكان للذاتية. بيد أننا، طيلة هذه الصفحات، نلاحظ أن النصوص القانونية غنية بالأساليب والتعابير اللغوية التي تنظم الأفكار المقدمة وتقويها وتقومها من أجل إقناع المستمع أو القارئ.
تندرج النصوص القانونية، في معظمها، ضمن حقل الحجاج. وحسب غريغوريو ماك (1998:38)، فإن الحجاج يقصد به "تقديم أدلة للدفاع عن رأي والضغط على متلق ما ليفكر بشكل محدد". ويستعمل الحجاج كثيرا كمرادف للإقناع. ويكمن الإقناع في إنتاج خطاب ما، "لدرجة أنه، بواسطة اللغة، يتحقق هدف الإقناع." ويتم التأثير في الحضور بواسطة آليات نفسية لجعل الخطاب لصالح الموقف الذي يتم الدفاع عنه [...] وهي حالات عاطفية ذات طابع غير عقلي" (غريغوريو ماك، 1998:38،43).
ويؤكد باردو (1996: 108, 109) بدوره أن النصوص القانونية [...]، بالرغم من طابعها الشكلي المؤسساتي الواضح، تظهر باعتبارها مادة غنية للتحليل [...] كنص له قواسم مشتركة مع أنواع أخرى من النصوص (العلمية، الأدبية، السياسية)، مبينا بذلك اللدانة المتوقعة في نص قانوني ما.
ويتميز التواصل الإقناعي برغبة الكاتب الظاهرة المتمثلة في إحداث تأثير في المتلقي وتعديل سلوكه. ومثالا على ذلك نورد الإعلانات الدعائية التي تدعو إلى استهلاك أو اختيار منتوج أو ماركة محددة، أو تلك التي تدعو إلى المشاركة السياسية. ونلاحظ أن الإقناع –بعيدا عن وظيفته اللغوية- ليس سوى شكلا من أشكال الإغراء. لذا يشير فريديرك فيلبريك، المشار إليه في مقدمة هذا العمل، إلى أن المحامين يتحدثون من أجل الإقناع. وهذا صحيح فيما يتعلق باللغة المستعملة في المحاكم، حيث إنهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم مدافعين عن المتنازعين أو باعتبارهم قضاة يحاولون بآرائهم إقناع كل من يقرؤها أن القانون قد تم تطبيقه تطبيقا صحيحا [...] ويستعملون سلطتهم في المحكمة عن طريق التحكم في تفكير الآخرين وآرائهم، إما في الدفوعات أو عندما يقومون بطرح الأسئلة على الشهود. (1949:3)
وتوجد هناك العديد من الأساليب للتعبير عن الاقتناع بواسطة اللغة؛ وعلى سبيل المثال، التصريح بالوقائع ("ولد المتهم بتاريخ 14 أبريل 1971")، أو التعبير عن مشاعر أو تصرفات ما ("أي إجراء ستتخذه المحكمة أمام هذه الواقعة؟") أو استنتاج حالة نفسية محددة ("لقد أضحى العالم مكانا مليئا بالمشاكل؛ لذا يجب أن نكون حذرين من اتخاذ قرارات خاطئة."). ومن المهم جدا أن نلاحظ أن فيلبريك، عند تشجيع المحامين المبتدئين على تطوير خصائص خطاباتهم الإقناعية، يشدد على ضرورة قراءة خوليو سيزار المذكور في مؤلف سيكسبيكر، وهو العمل الذي يتضمن، في نظره، نموذجا يحتذى به ألا وهو الخطاب المشهور لماركو أنطونيو الموجه للعبيد إثر اغتيال سيزار. وقد طور ماركو أنطونيو، الذي كان متظاهرا بمحاولته تمجيد بروتو وإدانة سيزار، بيان عرضه للواقائع بكفاءة بلاغية عالية محققا مبتغاه الحقيقي ألا وهو الأخذ بمجامع المحتشدين (الذين تجمهروا ليشهدوا الاغتيال) وإقناعهم بالعكس. وبدون شك، فحتى نحن الذين لسنا محامين نستطيع أن نجد في هذا المرجع الأدبي أحسن مثال لما تتضمنه ويمكن أن تبلغه لغة الإقناع.
أسلوب لغوي آخر أكثر استعمالا في لغة الإقناع هو استعمال كلمات تدل على أحكام مسبقة أو الانحياز أو الإيديولوجية. إذ يتم اختيارها من أجل نقل الآراء وأحكام القيمة بدل الإخبار الذي يحيل على وقائع ما. كما أنه يتم استعمالها من أجل إسقاط مشاعر المتحدث على العدو الموصوف. فمثلا، خلال الحرب العالمية الثانية، سمي العملاء الأجانب بالجواسيس، بينما سمي العملاء الذين عملوا لصالح الحلفاء بعملاء سريين أو عملاء المخابرات. وكان يطلق على الجنود الأمريكيين والبريطانيين اسم المحاربين أو المقاومين أو القوات السرية. وفي المقابل، كان الأعداء ينعتون بالقبيحين أو الثائرين أو الإرهابيين أو القتلة.
واستعمل الزعماء السياسيون حينئذ بكل مهارة هذا الأسلوب، بصفة عامة، بكل دقة وإتقان، من أجل إشراك الجماهير في مشاريعهم الحربية وكسب دعمهم اللامشروط لها. ويرجع النجاح الذي حققوه إلى السهولة والسرعة اللتين أصبحت هذه المفاهيم تشكل بفضلهما جزء من اللغة المشتركة للمجتمع الغربي، وقبلتها العديد من الأجيال باعتبارها حقائق مطلقة. وهذا ما وقع في المجال القانوني، ورجال القانون أنفسهم يعترفون بذلك. ويذكر بوسماجيان (1992:36) كلمات القاضي الأمريكي ريتشارد بوسنير الذي قال: "إن المقالات والاجتهادات القضائية هي بلاغية محضة (في مفهومها الإقناعي)، وبطريقة مشابهة جدا للأعمال الأدبية".
غير أننا لا نود التوقف هنا. وكل ما يهمنا من هذه الاعتبارات العامة هو الانتقال إلى وصف الحالات الخاصة بالنصوص القانونية التي تستعمل اللغة الاستعارية وسيلة للوصول إلى إقناع المستمع أو القارئ.
استعمال الاستعارات في الخطاب القانوني
تطرق مختلف الكتاب في مناسبات عديدة إلى أهمية الاستعارات في الخطاب الإنساني. وتعرف الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية الاستعارة بأنها صورة بلاغية (استعمال كلمات في معنى مختلف عن المعنى الحقيقي) تتجلى في نقل معنى حقيقي للكلمة إلى معنى آخر استعاري، بواسطة مقارنة ضمنية. وتذكر أمثلة نحو: لآلئ الندى، ربيع العمر، كبح النزوات.
ومن جهة أخرى، تشير العديد من الأبحاث الميدانية في اللسانيات العصبية (لاكوف وجونسون، 1987) إلى أن نظامنا المفاهيمي يحتوي على زخم هائل من ...آلاف الاستعارات المفاهيمية تشبه "خرائط عقلية" تسمح لنا بفهم المجرد بواسطة كلمات المحسوس. ويؤكد ستيفان غور أن "اللغة تحدد كيفية رؤيتنا للواقع، وأن الاستعارات على وجد الخصوص تؤثر على إدراكنا وفهمنا للظواهر المحيطة بنا. كما أنها تحدد كذلك المرجع المفاهيمي الذي يرجع إليه الأشخاص". وبالفعل، فالعديد من اللسانيين يتفقون على أن استعمال الاستعارات لا يشكل فقط طريقة من طرق تعبيرنا عن الأشياء، بل، علاوة على ذلك، إن الاستعارات تشكل عناصر البنيات المعرفية الأساسية التي نستطيع من خلالها أن ننتج تفكير متناسقا منظما وأن نعلل تجاربنا اليومية ونعطي لها معنى ما.
وإن التأثير الذي تحدثه الاستعارات هو تأثير انفعالي بالأساس. فاللغة الاستعارية تجلبنا لأنها تحدث أحاسيس محددة، مثل الغضب أو الأمل أو الخوف أو السرور أو الرفض، التي توقظها كلمة ما أو تعبير ما.
إذن، فماذا يمكن أن نقول عن استعمال الاستعارات في النصوص القانونية؟ إن الأسطورة القديمة التي تقول إن المعرفة القانونية متعارضة مع اللغة المجازية أو التعبيرية فقدت قوتها في العشر سنوات الأخيرة. لذا يذكر ألكراث وهوغيت (2002:43) مثال الكلمة الإنجليزية "لاو (Law) التي يعود أصلها إلى كلمة "لايير (Layer) (مشلح أو الطبقة)، وهي كلمة تمثل استعاريا مفهوم نظام العدالة التراتبي، مثل النظام القضائي الأنكلوسكسوني المشتق من النظام الفيودالي. ويذكر الكاتبان أنفسهم كذلك المصطلح المجازي الحاضر في الجمل مثل "إن هذا القرار يتفق وقرار المحكمة العليا الحالي.
ويؤكد هيبتس (2000) أنه "في مقالات القانون تذكر أو تستعمل الأمثال الحقيقية أو الشعر. ففي ملاحظات أسفل الصفحة يتم الشروع في ذكر المحادثات". وهذا يذكرنا بالتناص بين النصوص الأدبية والتعبيرية، ويوضح أيضا أن محترفي القانون يقومون بمجهود واع من أجل الوصول إلى عامة الناس (أو ربما لإقناعهم؟) مستعملين في ذلك شتى الأساليب اللغوية أكثر فعالية من "اللدانة" الخاصة بالمجال القانوني.
ويذكر كل من بلافين وكوهن (2002) ثلاث استعارات مرتبطة بالنصوص القانونية ظهرت كنتيجة لظهور تكنولوجيات جديدة، ألا وهي الإنترنيت. وحسب هذين الكاتبين، سميت الإنترنيت مجازا "طريق المعلومات الممتازة"، و"فضاء الاتصال" و"فضاء حقيقى". هذه الاستعارات تعكس مسار تطور الإنترنيت الثابت، باعتبارها تقنية غير مستقرة ومتغيرة. غير أن اختيارهما لم يكن بمحض الصدفة؛ حيث إن كلمة "طريق" تشير بوضوح إلى أن الإنترنيت في أصله كان مشروعا حكوميا، وباعتباره كذلك، فيمكن للحكومة أن تنظم المعلومات التي تمر من هذه "القناة" من أجل سلامة كل أولئك الذين ينقلونها. وكلمة "فضاء الاتصال" أحدثها وليام جيبرسون في رواية الخيال العلمي، نيورومانسير 51، الصادرة سنة 1984 (بلافين وكوهين، 2002: 275). بعد ذلك سيستغل القانون هذه الاستعارة ليدافع عن فكرة أنه يجب على الحكومات الإقليمية ألا تنظم الفضاء الوهمي الذي تتطور فيه الإنترنيت. ويعلل فقهاء قانون آخرون أن قواعد القانون العادية التي تطبق على فضاءات محسوسة لا يمكن تطبيقها على فضاء الانترنيت. غير أن النقاش لا يزال مستمرا، بينما قضايا أخرى متعلقة بالانترنيت مثل (الخلاعة وحقوق المؤلف وأهمية البريد الالكتروني القانونية) توشك على الحل.
إن استعارة الانترنيت باعتبارها "فضاء حقيقا" لهي أحدث الاستعارات الثلاثة المذكورة، ويرجع تاريخها إلى سنة 1990. ويعتبر منشؤو الانترنيت والمدافعون عنها أنها فضاء حقيقي يمكن تقسيمه إلى مناطق و الدخول إليه بشكل غير قانوني، مثلما يحدث مع الأموال غير المنقولة. ويضيف منتقدي هذا التناظر أن الانترنيت فضاء تقع من خلاله أحداث عن طريق موجات كهرومغناطيسية مشابهة لتلك التي تحدثها محادثة هاتفية، وهو ما يجعلها تحت تصرف الحكومات وليس تحت نظام خاص (بالفين وكوهن، 2002:280).
يؤكد بوسمجيان (1992:45) أن الاستعارات المميزة لمرحلة ما أو لفترة تاريخية معينة لا تساعد فقط على تحديد المصالح والأفكار الخاصة بهذه الحقبة، بل أيضا على تحديد المشاكل التي تميزها وعلى إيجاد الحلول الممكنة. إن ظهور التكنولوجيات الحديثة المتواصل وكذا حالات الصراع الجديدة المترتبطة بالإنترنيت- المميزة للقرن العشرين- لم يتم التنصيص عليها في التشريع القائم، وهو ما يفترض أن أغلب القضاة المتدخلين هم غير متخصصين في مثل هذه المواضيع. ويشدد غور على أنه "كنتيجة للتكنولوجيات الطارئة وللنماذج المالية الجديدة، يواجه القضاة قضايا فريدة وجديدة"؛ ويقترح أن يطور الموظفون القضائيون "قواعد جديدة وتحسينات متعلقة بأدوارهم من أجل التأقلم مع هذه التحديات". ويمكننا أن نضيف أن التحديات اللغوية المتعلقة بالتكنولوجيات الجديدة تتجلى، بدون شك، في عمل المترجم.
أما فيما يخص العقود، التي على ما يبدو تندرج ضمن الأشكال الأقل "إبداعا" وتتبنى الخطاب القانوني، فإنها تستجيب لبنية نحوية ثابتة ذات صيغ تتكرر باستمرار- قد تكون، في الكثير من الأحيان، غير ملائمة من وجهة نظر لغوية ولكنها مقبولة نظرا لقوة استعمالها، وذات جمل طويلة وغير مفهومة. وقد اخترنا بعض التعابير الاستعارية ذات الاستعمال المشترك، في اللغة الانجليزية المالية التي ترد مسجلة في معجم بلاك القانوني (1999) والذي يشرحه كبانياس دي لا سكويباس في معجمه القانوني الإنجليزي- الإسباني ب:
بلو تشيب: أسهم رئيسية، بسبب حجم عمليات هذه الأسهم وقدرة الشركات المصدرة.
الشحن الزائدDead freight : (القانون البحري) إتاوة يؤديها صاحب الشحنة عن قدرة حمولة معينة والتي لا يستعملها عادة.
عقود الكلب الأصفر Yellow-dog contract: عقد عمل يمنع على العامل الانخراط في أية نقابة.
ويعتبر من الأهمية بمكان التحليل اللساني الذي قام به باردو (1996:146) لنص الحكم عدد 44.888 الصادر عن محكمة الاستئناف، حيث نطق القاضي المتدخل بما يلي:
وعليه، وإني إذ أقيم تقرير الطب الشرعي طبقا لمقتضيات المادة 386 من قانون المسطرة المدنية والتجارية للولايات المتحدة الأمريكية، لم أجد بدا من الابتعاد عن نتائجه المقبولة نظرا لصدورها عن هيئة عليا ذات خبرة في هذا المجال، وهي طرف ثالث في القضية موضوع النقاش، واستنادها على الفحوصات التي ترتئيها مناسبة.
وهنا يلجأ القاضي إلى استعمال أساليب لغوية لكي تكون اللغة التي يستعملها لغة استعارية اقناعية. وبذلك يكتسي فعل "قيم"، في هذا السياق، معنى استعاريا ويخفي وراءه تلطيفا لسلطة هيئة الطب الشرعي. ثم بعد ذلك يدعم القاضي موقفه من خلال استعمال ضمير المتكلم المفرد ("لا أجد")، ويقدم حكما تقييميا يتناقض و"نتائج [...] هذه الهيئة، التي يجعلها في موضع "الطرف الثالث في القضية موضوع النقاش".
وبذلك، فإن القاضي هنا يشدد على الموقف الثانوي لهذه الهيئة باعتبار أن لقراراتها ثقلا كبيرا في مقابل القرارات التي يتخذها القاضي، الذي، في هذه الحالة، يعتلي هرم أكبر سلطة.
وأود في الختام أن أشير إلى أنه نادرا ما تتحول الاستعارات التي يستعملها القضاة إلى مبادئ أو قواعد قانونية. ومن بين هذه القواعد، يذكر بوسماخيان قواعد "الشجرة السامة" وقواعد "الجدار الفاصل بين الكنيسة والدولة"، وقاعدة المدرسة ك"سوق أفكار" وقاعدة "الحضور الأسير" وقاعدة "تعدد الأصوات". وأختم بأنه طيلة القرن العشرين، "حددت المحاكم من خلال استعمال هذه الاستعارات الطريقة التي يجب أن نتصور بها الحريات والتي تضمن التعديل الأول" (بوسماخيان، 1992: 115).
ونظر لضيق المقام، فمن غير الممكن إدراج أمثلة أخرى أكثر قيمة، والتي توضح الاستعمال الواسع للغة الاستعارية في النصوص القانونية التي تنتمي إلى أنواع متعددة، قام بتصنيفها كتاب أمثال بورجة ألبي (2000: 34). والمراجع حول هذا الموضوع كثيرة ومتنوعة، توضح الاهتمام المتزايد الذي يبديه اللسانيون كما المحامون والقضاة في اللغة التي يعبرون بها في القانون. ويجب علينا نحن المترجمين أن نبقى يقظين تجاه الأبحاث والدراسات حول علم الترجمة المنجزة حاليا في العديد من بلدان العالم.
التحديات التي تواجه المترجم
وصولا إلى هذه النقطة لم يبق أمامنا سوى التوقف من أجل دراسة القدرات اللغوية التي يجب أن يمتلكها مترجم النصوص القانونية. إن القدرة على تمييز مختلف الفوارق التي تتضمنها لغة الإقناع- التهكم والسخرية والتلميح واستعمال التفخيم والتشديد والتراتبية الخطابية- في اللغة المصدر ونقلها إلى اللغة الهدف ليس بالشيء الهين. ويصبح من الواجب أيضا الاعتراف بمميزات الاستعمال العامي للغة الإقناع: الابتذال والتكرار والعبارات التفخيمية الخاطئة.
ولا تحتوي الاستعارة فقط على زخم هائل من غنى المعنى بل تنم كذلك عن إبداع واسع في الجمع أو التناظر بين الفكرة الغامضة والوسيلة التي تنقل هذه الفكرة. لذا يجب علينا نحن المترجمين أن نكون كذلك مبدعين عند ترجمة هذه الأعمال الخطابية والتعود على استعمال الاستعارات في مختلف أنواع النصوص. علاوة على ذلك، من الواجب علينا أيضا تهذيب الاستيعاب عند الاشتغال على النصوص القانونية. إذ إن اللغة الاستعارية يمكن أن يعبر عنها تعبيرا بالغ الدقة أو ربما خفيا أو غير مكشوف. ويقود التمييز المترجم، في هذه الأحوال، إلى عدم إغفال وزن الخبر القانوني ونتائجه في اللغة الهدف.
ولعل تحديد تناظر معين- بشكل أكثر تفخيما في نوع آخر من النصوص- أو استعارة في الإطار الاجتماعي التاريخي الثقافي الذي حدثت فيه يمكن أن يعني الفرق بين الحل أو عدمه للتحدي اللغوي الذي يطرحه النص القانوني. وهذا العامل حيوي جدا من أجل تحديد الظروف التي تفرز الاستعارة و كذلك من أجل فهم مداه ومعناها.
ويجب علينا نحن المترجمين المتخصصين في المواضيع القانونية أن يكون هدفنا قراءة مختلف الوثائق القانونية، بدء من القوانين والمعاهدات الدولية والقواعد القانونية وانتهاء بالأحكام القضائية، في اللغة المصدر كما في اللغة الهدف. وهذا يزودنا بالعدة والعتاد اللازمين من أجل تمييز ومقارنة مختلف الأساليب الإنشائية وعلم المصطلح ودرجة الشكلانية ووظائفها. ومن البدهي أن التحديات التي يواجهها المترجم هي عديدة، كما وتعقيدا، تجعل من مهنتنا مهنة فريدة.

استنتاجات
رأينا خلال هذه الصفحات كيف أن القول إن اللغة القانونية هي صارمة ومحافظة ومتعددة الأشكال هو قول صائب فقط في حال بعض الأنواع من النصوص القانونية. وما الأمثلة التي قدمناها إلا توضيح على أن اللغة التعبيرية تستعمل باستمرار في الخطاب القانوني، على الرغم من كون هذا الأخير يشكل ميزة خاصة لم يتعمق فيها اللسانيين أغلبهم.
إن اللغة الإقناعية كما الاستعارات تهدف إلى إحداث تأثير حسي لدى القارئ وإقناعه بما هو صائب لتفسير معين للقانون أو بمدى صلاحية حجة ما. وقد رأينا كيف أن استعمال الاستعارات يساعد ممتهني القانون على مواجهة التحديات التي يطرحها التقدم التكنولوجي، التي في معظمه ليس مشروعا وتطرح نتائجه في حياة الأشخاص وضعيات قانونية معقدة وغير معممة. وفي حال الانترنيت، فإن الاستعارات فيما يخص أصلها وتركيبها ودائرة توظيفها تحاول حصر الواقع الوهمي في إطار الواقع المشروع. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، بعض الاستعارات التي يستعملها قضاة المحكمة العليا تم قبولها وتعميمها بالدرجة نفسها التي رفعتها إلى مبادئ أو قواعد قانونية.
وفي الختام، لا أحب أن أغفل مسألة أننا نحن المترجمين يجب علينا أن ننتبه إلى عدم الخضوع للتصنيفات الصارمة المتعلقة بأنواع الخطاب القانوني. ويجب علينا أن نغوص أبعد من الشكلانية والبنية الصارمة واللغة القديمة الحاضرة في أغلب الأحيان في ظاهر النص، وذلك من أجل اكتشاف التناص والغنى التعبيري اللذين يمكن أن يحتويهما. وفي هذا الصدد، فإننا نعتبر أن التكوين الأكاديمي للمترجمين ينبغي أن يشمل تحليل باقة من النصوص القانونية وترجمتها، متجاوزين بذلك المثال النمطي "رسالة الحب المضمنة في الملف القضائي". وإن مقاربة تعليمية أكثر مرونة لسوف تساهم في تكوين مهنيين أكثر قدرة واحتياطا للتنوعات العديدة والإمكانيات التي يقدمها النص القانوني.
أتمنى أن يكون هذا العمل قد ساعد على تبيان أن النصوص القانونية تشكل عتاد دراسة ذات أهمية قصوى لنا نحن الذين نتعاون بشكل أو بآخر من أجل تحسين التواصل الإنساني، الذي يشكل لنا حقلا خصبا ومفاجئا.
المراجع
٭ ألكراثي، إنريكي وأوغيث، بريان (2002). الترجمة القانونية التأويلية. شركة جيروم للنشر، مانشيستر.
٭ أسيف، لوسيا م.(2003) الاستدلال القانوني والسيميائية الاجتماعية. دار خوريس للنشر، روساريو، سانتا في.
٭ بلافين، جوهناتان وكوهين، غلين (2002)."غوري وجيبسون وغولدتسميث: تطور استعارات الانترنيت بين القانون والتأويل". في يومية هفارد للقانون والتكنولوجيا، المجلد 16، رقم 1، الصفحات 265-285.
٭ بورخا ألبي، أمبارو (2000). النص القانوني وترجمته إلى الإسبانية. أييل، برشلونة.
٭ بوسماجيان، أيدج أ. (1992) الاستعارة والمنطق في الأحكام القضائية. سوترن إليونوس جامعة بريس.
٭ إيككو، أومبيرتو (1995). كيفية كتابة أطروحة. خيديسا، برشلونة.
٭ غوري، ستيفاني أ. "وردة باسم آخر": الاستعمال القضائي للاستعارات من أجل التكنوجيات الجديدة".
٭ المصدر: http://www.jltp.uiuc.edu/w_progress/Fall%202003/Gore/gore.htm>
تاريخ زيارة الموقع: 19/08/2004
٭ غريغوريو ماك، مارية إيسابيل (1998). عندما يتعلق الأمر بالاستدلال. دار فونداثيون روس للنشر، روساريو، سانتا في.
٭ هيبتس، بيرنارد (1994)."مصدر معاني الاستعارات. النظر والسمع وإعادة تشكيل الخطاب القانوني الأمريكي." مجلة كاردوزو للقانون عدد 241، الصفحة 16.
المصدر:
تاريخ التصفح: 13/08/2004
٭ لاكوف، جيورج وجونسون، مارك (1980). نحن نعيش بالقرب من الاستعارات. جامعة شيكاغو للصحافة.
٭ ميكلسون، هولي. "معرفة اللغة القانونية والحفاظ على السجل اللغوي في تدريب التراجمة القانونيين".
تاريخ التصفح: 18/06/2004
٭ باردو مارية لاورا (1996). القانون واللسانيات. كيف يتم الحكم بالكلمات؟. الطبعة الثانية. منشورات الرؤيا الجديدة، بوينوس أيريس.
٭ فيلبريك، فريديريك (1949). لغة القانون. شركة ماكميليام، نيويورك.
٭ تيرسما، بيتر."طبيعة اللغة القانونية".
المصدر:
تاريخ التصفح: 23/06/2004

النص الأصلي:
http://www.proz.com/doc/504


Direct link Reply with quote
 


To report site rules violations or get help, contact a site moderator:


You can also contact site staff by submitting a support request »

لغة الإقناع في الخطاب القانوني

Advanced search






WordFinder
The words you want Anywhere, Anytime

WordFinder is the market's fastest and easiest way of finding the right word, term, translation or synonym in one or more dictionaries. In our assortment you can choose among more than 120 dictionaries in 15 languages from leading publishers.

More info »
BaccS – Business Accounting Software
Modern desktop project management for freelance translators

BaccS makes it easy for translators to manage their projects, schedule tasks, create invoices, and view highly customizable reports. User-friendly, ProZ.com integration, community-driven development – a few reasons BaccS is trusted by translators!

More info »



Forums
  • All of ProZ.com
  • Term search
  • Jobs
  • Forums
  • Multiple search